"كما الذباب لدى الصبية العابثين ، كذلك نحن لدى الآلهة ، تقتلنا لكي تتسلى"
(شكسبير-الملك لير)
هاتف جوّالي...قلبي الذي ضيّعته
من ينسى ، للحظة ، قيمة الشيء الذي يحبّه ، يُنكب بفقده ..
ثمّ يقيم صداع الندم في صدره ، طويلاً ، يُـحرق سجائره على الأرصفة بلا توقف .. عبثاً
أيـّها الليل الذي يُخاصم بهجتي ...
أيتها السماء التي بلا علامات
أيـّها الأصدقاء الذين قد لا ألتقيهم أبداً
أيـّها الرب الذي أعرف أنـّه لن يعوضني
مار ، صادف لقائي بك - افتراضياً - لحظة فقدي
أيـّها العالم التافه .. ، يا كلّ كوابيسي
قلبي بات في جيب أحدهم الليلة .. و سيبقى هناك إلى أبده
رسائلي القصيرة ، أحاسيس بشر بعيدين .. ذكرياتي المخزّنة في تلافيفه
يدي التي إعتادت الإطمئنان عليه بوجل، خدوش وجهه التي وثّقت بدايات صداقتنا ..
صوت " فـيروز " الذي يوقظني في الصباحات ب : دروب الهوى..
أوووه ، سأخاصم نفسي طويلاً بعد اليوم .. سأبكي كما الندّابات أمام الأبواب السوداء
يا مبدّل القلوب ... لا أريد سوى قلبي ، أعده لي
أو امسخ ذاك الذي ظلمه ، خنزيراً وحشياً .. إلى أبدي
(أنا ... البارحة ، في مقهى قميء)
بيد أنّ الحسرة العتيقة هنا ..
.. والحزن الذي لا شفاء له هنا
و أمل السنين القديمة الملعونة هنا ..
و الوحش غير المرئي هنا ..
إنّـه يغـرز ببطء شوكته في القلب الوحيد ..
من أيـن يأتي هذا الإغتراب الباهظ الذي يقوّض حامله ؟ و هل في الحياة المنسوجة من صدف كثيرة متّسعٌ للراحة ؟
هل في جوهر الإنسان ما لا يخدع الإنسان ؟
هل يمكن أن يكون تأمل الزمن الآفل .. كافياً للحكم على الأزمان كلها ؟
هل في العودة إلى الزمن الماضي ضمانٌ للسعادة أم أنّ إحتمال السعادة يبقى قائماً حتى بالنسبة لمستقبل عصيّ على التحديد ؟
.... في لحظات العودة إلى الماضي بحثاً عن إجابة لسؤال حاضر هناك شيءٌ ما يجعل من الماضي ، من جديد ، بحثاً عن إجابة لسؤال حاضر ، سؤالاً مرهقاً جديداً .. و في حضور الأسئلة القائلة بالتداعي و الإغتراب و عدم اليقين و في جوّ من اليأس الإنساني و الأسى ، وطيد الجذور ، آثر صديقي الرحيل بعد رحيل أحلامه أكثر من مرّة .
صديقي .. ، حلم ذات مرّة بالإنتصار ، في حياته ، و حصد الخيبة .. إنهزم قبل أن يُهزم .
.. حين أتأمل فيه .. ، في أحلامه و أوهامه .. في صحوته الفاجعة التي تدفع به إلى موت طوعي ينطوي ، ربما ، على انبعاث محتمل .. ، أشفق على هذا الإنسان المخذول الذي يكاد اغترابه الوجودي يتسع لجميع البشر ..و أن يضيق بغرفته الصغيرة .
صديقي مغتربٌ عن حبه الحقيقي الأول ، عثر عليه و أضاعه ، مغترب عن مهنته ، هو مثال للرجل المخذول .. ، مغتربٌ عن المهمّة التي أوكلت إليه ، يتعامل مع بشر يعرف مدى خبثهم و ماديتهم .. ، مغترب عن ذاته .. لأنّه عاش طويلاً على أنصاف الحقائق و أنصاف المواقف ، إنسان منقسم ، إذا نظر إلى ذاته رأى آخر ، و إذا ذهب إلى اتجاه وصل إلى غيره ، فلا هو بالزائف و لا هو بالحقيقي .. على وجهه قناع و على قناعه ما يُشبه الوجه أو يـَلتبس به .
همّه يقود معرفته .. و معرفته غائمةٌ .. مقيّدة الأطراف . حياته إتكاءٌ على البسيط الذي يُصبح مركّباً ، الخير و الشر .. و الهويّة .. و الصفاء الإنساني .. الذي أفقه الوحيد هو الموت .
حياته تستحوذ عليه ..
لم يجد الطريق إلى حياة خاصة به .. الخوف و التردد منعاه من القيام بالخطوة الحاسمة نحو الحرية . إنه مازال مجرد ابن و الإنسان الحقيقي لم يُلد قط .
كانت حياته السابقة نوماً ... لكن بالنسبة لمن يتردد طويلاً لا يبدأ الكابوس الحقيقي إلا عند الإستيقاظ .
لا أستطيع ...
الطرقات تتزايد على الباب ، صوت أنفاسه المتلاحقة .. تمتمات مرتبكة ، يستمر الطرق ... يا ئساً .
أنا .. ملقاً في الزاوية .. ظلامٌ كامل .. و بالكاد أقوى على النظر نحو الباب ..
يتوقف الطرق الآن .. ، إنّه يبتعد ، و أنا أشعر ببؤس عظيم إذ أعلم الآن أني ضعيف .. و أنني لن أجتاز ذلك الباب أبداً نحو العالم الواسع .
كل شيء أرغب فيه .. على الجانب الآخر من هذا الباب .. على بعد خطوات .. ، و تستحيل المسافة إذ كانت لدي فرصة ٌ واحدة فقط .. و عجزت عنها .
عند نهاية ذلك الباب .. تنتهي حدود الأمكنة .. و الزمن ، و ما يعنيني لم يعد أكثر من ألم مقيم و يأس دائم .
... أعرف الآن أني لا أحب الحياة ، كفاية ، بالقدر الذي إعتقدت .. و أنّ المكان .. و الآخرين قد تمكّنوا مني تماماً ...
و أن إندفاعتي الأخيرة .. ما كانت أبعد من رعشة إنسان يُحتضر ... .
الصديق القريب دائماً من نفسي ،
الليلة .. وحيداً في شقّتي ، أغلقتُ باب الغرفة .. و تركتُ لأم كلثوم تغنّي أحد وصلاتها الطويلة .. " أقبل الليل يا حبيبي " ؛ لحن حزين.. مـُغرق في الشجن .. ، تدثرت لحافي و جلستُ في الزاوية ، و للمرّة الأولى منذ فترة طويلة تنتظم أفكاري و تتواتر بشعور بدا مريحاً لوهلة .. لكنّه مؤلم في نهاية الأمر ، و ذلك أنّ استحضار الذكريات جاء حنيناً لماض ٍ مفقود و تفاصيل تكاثفت لحدّ التجسّد .
الحقيقة أنني لم أنطلق من نقطة محددة في قدّاس الذكريات هذا .. مجرّد سؤال عبثي و يائس عن كلّ هذا الذي جرى لحياة كانت حافلة .. اعتقدت بأزليتها يوماً ما .. شعورٌ بائس و قتامه في العين .. و دمعةٌ تستعجل الحضور ، ثمّ وجدتني أُخرج ذكرياتٍ كانت .. دون تحديد .. و كان ما كان .. ؛
قبل ست سنوات ، عزيزي سليم ، و في أيّام – تقريباً – مثل هذه الأيام من العام ألفين .. و مع بداية النصف الأول لي في الجامعة .. ، مدفوعاً برغبة عارمة في ممارسة الحياة بصورها كلّها .. ممتلئاً نعمة ، بعلاقات اجتماعية واسعة كانت مثار استفهامات لا تنتهي .. ، علاقة بدأت متوازنة بين رغباتي و تصوّر عمي للحياة .. ، قصّة حب رائعة كانت قد مضت لتأتي بعدها إلهام .. بكلّ أنوثتها و انطلاقها ، خالقة عالماً سرّياً تداخل فيه الجنس و الصداقة و الغيرة و شيء من الحب و اكتشاف الشهوة الجسدية .. و كلّ ما تفعله العلاقات الآثمة(بحسب التعبير الشرقي) في شابٍّ يتعرّف على ذكورته و يحتفي بملذات الجسد ..
بدا العالم جميلاً حينها .. أحسبه كذلك الآن .. حياةٌ ملوّنة .. لم يكن يشغلني فيها البحث عن هويّة أو تعريف أقدّم فيها نفسي للعالم ، أؤمن بأشياء قد أرفض معظمها فيما بعد .. ،
لا يمكنني القول أنّ تلك الأيام كان لها أن تستمر بذلك اللون .. ، كلّ شيء كان ممكن الحدوث .. لكنّ الدهشة تحصل عندما يحدث كل شيء فجأة .. و يتغير عالمك تماماً ،
.. النتشة مثلاً .. ظهر فجأة في حياتي حينها .. حاملاً معوله ... هادماً طمأنينة الأشياء من حولي .. ، وقع كتاب الوجودية لسارتر .. تفاجئي ب كافكا و كوابيسه و علاقته التعيسة مع والده و العالم .. ثمّ لم تعد إلهام تمتلك منّي سوى جسدي المدمن .. و الأصدقاء من حولي تراجعوا ليصبحوا ك حواري المسيح (تأثّراً لا عدداً ) .. ينتظرون أن أشرح لهم الخلاص .. مع أنّهم سيبيعونني للألم - فيما بعد - بثلاثين من الفضّة .. ، انهدام توازني في العيش مع عمّي .. و واقعي السابق التوفيقي الفكر صار شديد اللامعقولية ... ،
استيقظت ذات صباح معلناً للأصدقاء المنتظرين .. أنّ الله لا يوجد .. و إن هي إلا حياتنا الدنيا .. نخوض و نحزن .. و أنّ حريّة الإنسان الفردية في مواجهة المجتمع هي شرط وجودنا الإنساني .. و دونها ضرب الرقاب و حطام العالم . ..
في لحظة ما .. أعتقد أني تحولت إلى أحد أبطال الروايات .. لم يكن ممكناً التراجع ..
و حده الطريق نحو النهاية .. نهاية مجهولة ، لكنّي لم أكترث أبداً لمعرفتها بقدر ما حرصتُ على درامية الحدث – الثورة ذاتها ..
و ها أنا انتهي قبل النهاية .. كما ترى ... محطّماً .. غارقاً في الدهشة و الوحدة .
... الآن مثلاً حين أتذكر هروبي ذات منتصف ليل من عالم عمّي ، أغراضي الدنيوية البسيطة التي جمعتها في حقيبة صغيرة ، تاركاً خلفي منزلاً مرفّهاً .. دفء .. و سرير و ملايات ملونة و ناعمة .. ، حاملاً ما ظننته صليبي إلى جلجلة العالم الخارجي .. ، متلهّفا لاحتضان حريتي .. ، انطلقت ، تماماً كما الروايات الحزينة ، في يوم ثلجي عاصف .. عارفاً أنّه لا يمكن أن أعود إذ أجتاز عتبة عالمي القديم .. ، أبداً ، نحو المجهول الذي لم يخيفني حينها .. متطلّعاً فقط نحو خلاصي الفردي من عالم يمتد من حدود قريتي الصغيرة حتى منزل عمّي في اسطنبول .. بكلّ ما يمثله ذلك العالم من أفكار و علاقات و أشكال حياة ..
حين أتذكر تلك اللحظة الفاصلة بين الاستقرار و التردّي العبثي في وحشة عالم لم أمتلك فيه لا القدرة و لا الفرصة على التموضع و التقاط الأنفاس .. ، تماماً و كأنني عبرت الباب نحو الهاوية دون سابق علم .. ، حين أتذكر ذلك و أفكر في عجزي الحالي عن الإتيان بأدنى فعل أو حركة تجاه ذاتي .. أدرك تماماً برودة الأيام و خريف الحياة الذي استطال ليأسرني .. و أنّ الحياة ذاتها قد تجاوزتني بمسافة واسعة ..حيث أنّي لا أعلم حقاً هل يمكن أن أمسك بها من جديد ؟
في يوم ممطر .. مع نهايات الخريف .. ، سائراً في شارع الاستقلال الطويل .. البشر يتحركون بآلية هرباً من مطر مفاجئ ، ازدحامهم الحميم الذي طالما أشعرني بقسوة الوحدة و عبثية الحياة في عالم الجموع ..، و لأوّل مرّة .. كنتُ ممسكاً بيد سارة الإيرانية .. نسير بهدوء و احتفاء .. تحت مظلّتها الطفولية الملّونة .. لأوّل مرّة أعرف معنى أن يقترب إنسانان بهذا الحنان و الصفاء .. رأسها الحبيب مرتاحاً على كتفي .. رائحتها .. رائحتي .. رائحة المطر و المكان و الناس ... ، كانت تتحدث عن رغبتها في تصفيف شعرها القصير على طريقة الخمسينيات (صدقنّي لم تكن تعرف ما هي الخمسينات ) .. ، نرتاح في أحد الزوايا ممتلئين بالمطر و حرارة الأنفاس .. يدها الصغيرة تبحث عن شيء غير محدد في صوف كنزتي الشتوية ، و يدها الأخرى في يدي .. عينيها المتوترتين تتابعني .. و أنا .. و أنا محتضناً دهشة العالم ..
أوووه يا صديقي .. ، صورةٌ كهذه ، كيف يمكن استعادة الأحاسيس التي حفّتها ؟ .. كيف يمكن أن تعرج إلى قمّة العالم ثم تعود لتخبر عن الذي رأيته و شعرته ؟
لا أبالغ أيها الصديق حين أخبرك .. أنّي في نهاية ذلك اليوم .. حين عدُت لوحدتي .. بكيتُ .. بكيتُ بحيرة .. و بخوف أن أفقد تلك اللحظة .. بكيتُ لفرحي و اندهاشي لذلك التواصل الطبيعي .. المريح و الحميمي مع إنسان تحبّه.. بكيتُ و أنا أتذكر يدها الصغيرة التي تُمسك بتلابيب ثيابي كطفل صغير تحتضنه .. و أبكي الآن من جديد فقدان كل ذلك .. أبكي أيضاً – كمطر ذلك اليوم – قبلاتها الطفولية التي كانت تُدهشني بها فجأة كطفل يريد أن يوصل لك شعوره بالراحة معك ...
عالمي .. عالمها .. و رحلتْ ..، و بقيتُ أنا .. و لم تزل صور جولاتنا القصيرة و وجها الناعم .. كلماتها البسيطة المقتضبة و التصاقها الطفولي بجسدي .. و يدها التي دائماً ما كانت تعبث بزار قميصي .
صرتُ وحدي .. و في أيام الوحدة القاحلة و الانعزال و صعوبة التواصل مع الآخرين ..
و الجوع المتعاظم لعاطفة .. ، تجدني هذه الصور و تسمم أيّ هدوء ممكن ..
أنا الليلة يا صديق .. أبو عبد الله الصغير يبكي مُلكاً مضاعاً .. !
عن الحُبّ .. و اليأس
عيناي مفتوحتان تماماً .. أحدّق في الظلمة ، كما لو كنتُ أحاول إستشراف مستقبلي .. و كنتُ أردد دائماً ، و باستمرار ، أنّه إذا أحبّ رجلٌ مخلص و يائس -مثلي- امرأةً من كل قلبه و إذا كان على استعداد لقطع أذنه و ارسالها بالبريد إليها .. إذا أخرج دم قلبه و ضخّه على الورق .. إذا أشبعها بحاجته و شوقه لها .. حاصرها إلى الأبد ، .. لعلّها لن ترفضه .
الرجل الأكثر سذاجة ، الأكثر ضعفاً .. يجب على الرجل الأقلّ جدارةً أن ينتصر إذا كان مستعدّاً للتضحيه بآخر قطرة من دمه .. إذ لا يمكن لامرأة أن ترفض الحب المطلق .
في النهاية ، تهرُب لوليتا من همبرت همبرت مع شاب لتتركه وحيداً يتخبّط في ذكرياته و حِـمَمـِه الداخلية ... و ذات يوم ، يجد منها رسالةً في صندوق بريده ، تطلب منه المساعدة الماديّة، يذهبُ إلى بيتها و يمنحها مبلغاً كبيراً .. ثمّ يتوسل بها بألم ٍ و حرقة أن تترك زوجها و تعود إليه كما هي .
لا تحتاج سوى ما يقارب العشرين خطوة إلى سيارته الواقفة جوار البيت ..إلّا أنها ترفض مرددّة بأنّ الأمر إنتهى ، فيخرج .. بينما المطر يهمي .. يسوقُ سيّارته عبر رذاذ ذلك اليوم المميت .
ماسحات الزجاج تعملُ بقدرتها التامّة .. لكنّها لم تتغلب على دموعه المنهمرة ...
ما أمرّ أن تبقى عازباً ..
ألا تصعد أبداً الدرج الذي يضيق بك وبامرأتك ..
أن تسكن غرفةً لا يتصل الباب الأيمن فيها، والباب الأيسر إلا بشقق الغرباء .. .
أن ترجع مساءً وعشاؤك في يدك ...
أن تعجب بأبناء الآخرين دون أن تستطيع إلاّ قولا واحدا : ليس لي أبناء .
ما أمرّ أن تبقى عازباً ..
أن تكون مريضاً وحدك، خلال أسابيع، وأن تتأمل من قلب سريرك الغرفة القفر...!

لم تعمد الاكاديمية السويدية إلى إحداث مفاجأة، كما هي الحال غالباً، فمنحت الجائزة للكاتب التركي أورهان باموك، وهو أمر كان متوقعاً لدى الجميع ، و يجب أن نتذكر العام الماضي حين كان مرشحا بقوة لنيلها، إلا أنها ذهبت إلى المسرحي الكبير هارولد بنتر، حيث علّل البعض عدم فوز باموك بها، بأن سنّه لا تزال تسمح له بالانتظار قليلا. لكنه انتظار لم يدم طويلا. سنة واحدة فقط ، وها هو اليوم يصبح من الخالدين . بعيداً عن الطابع السياسي للجائزة و مواقف باموك الجريئة .. الحقيقة هي أنّه الاسم الأبرز راهناً في الحركة الروائية التركية، واستطاع فعلاً ان يتخطى الروائي يشار كمال، فاتحاً أفقاً جديداً للرواية التركية الحديثة، ومؤسساً عالماً يجمع بين الشرق والغرب، على غرار مدينته اسطنبول التي يعبرها نهر البوسفور فاصلاً بين أوروبا وآسيا، بين الذاكرة والمخيّلة.
باموك لم يكن حاملاً رسالة في السياسة ولا مبشراً بعقيدة راسخة لاتعترف بالخطأ. وهو في هذا الصدد يقول: «بالنسبة لي ينبغي للأدب أن يكون من أجل الجمال وحده، لا لتوجيه رسائل سياسية، فأنا أكتب لأؤثر في القارئ بكتابتي الجيدة. حتى في روايتي السياسية «ثلج»، لم أحاول أن أنقل رسالة سياسية، بل كل ما حاولت فعله الحديث عن روح هذا البلد ومشكلاته، وعن الألم والغضب في جزء بعيد من هذا البلد يرقد تحت ظلال أوروبا ، ولكن من دون أن أجدني معنياً بالمشاركة في هذا الصراع، فالأدب في النهاية يتكلم عن الحياة، ويعكس النقطة الأكثر عمقاً في الروح الإنسانية». من هذا المعنى أورهان باموك هو الابن النموذجي لتركيا، إنه مدوّن سيرتها الأكثر صدقاً ومقدرة. وهو إذ يدون لحظات عظمتها لايقفز عن لحظات مرضها أيضاً. يرسم وجهها المشرق لكنه لا يترك جانباً عوارض السل الذي ما برح يحفر في سحنتها .
من الأفضل البحث عن هذا الكاتب و قرائته ، هذا الكاتب الذي لم يتوانى عن معالجة النزاع الداخلي للأتراك المعاصرين، والتناقض بين الحداثة والدين، بين المعاصرة والتقليد، اضافة الى مسألة الهوية أو الانتماء .. مسائل نحتاج نحن العرب أن نقف عندها و نعالجها .
مع "جودت بك و أولاده"، "الكتاب الأسود" ، "إسمي أحمر"،"الحياة الجديدة"،"القلعة البيضاء" ، "إسطنبول"،"ثلج". هذا الإنتاج القليل كمّاً و الواسع و الكثيف معنى و معالجة ، ستكتشف عوالم هذا الروائي العظيم بحق.
